شيرزاد شيخاني : هل نحن خير أمة أخرجت للناس ؟ .

سمبولی تۆڕە کۆمەڵایەتیەکان کلیک بکەو، ئەم بابەتە بنێرە بۆ بەشی خۆت یان هاوڕێکانت

2 من 1

في المقال السابق إستعرضت جانبا من الخلافات والصراعات التي نشبت بين المسلمين في العصور السابقة والتي كانت بمجملها تتمحور حول مسألة التكالب على الجاه والسلطة وإمارة المؤمنين ، وقد زهقت أرواح كثيرة في هذا السبيل مع أن المتخاصمين جميعا كانوا يولون وجوههم شطر المسجد الحرام ، ويصلون صلاة واحدة ، ويؤدون شهادة واحدة ، ويصومون رمضانا ، ويؤدون الزكاة . لكن لم تشفع قبلتهم الواحدة عن التصارع والتقاتل ، حتى تولى أمر المسلمين في بعض الأحيان خليفتان في آن واحد . فضربت أعناق وبقرت بطون ، وقدمت رؤوس خيرة صحابة الرسول وتابعيهم لطغاة ذلك العصر في صناديق مقفلة .

قطع رأس الحسين حفيد رسول الله وقدم لعبيدالله بن زياد ، وقطع رأس عبيدالله وقدم للمختار الثقفي ، وقطع رأس عبدالله بن الزبير وقدم لعبدالملك بن مروان ، وقطع رأس الأمين وقدم الى المأمون ، وسملت أعين العديد من خلفاء بني العباس ، ومات غيرهم بالسم أو أغتيل غيلة .

هذه الأساليب الرهيبة مورست من قبل من هم خير أمة أخرجت للناس ، وتناقلتها كتب التاريخ ووصلت إلينا اليوم ، فأصبحت منهاجا نبراسا تهتدي بهما القوى الإسلامية المتطرفة ، فبات قطع الرؤوس والنحر والحرق في الأقفاص ديدن من يحاربون اليوم لأجل الله ” حسب زعمهم ” مع أن الله قد حرم قتل النفس إلا بالحق . فما ذنب المرأة المتسوقة في الأسواق وتلك التي تفترش الأرض لتكد من أجل قوت عيالها ، وماذنب الأطفال وهم يلهون في الملاعب ، وما ذنب الشيخ الخارج الى المسجد يصلي لله حتى تقطع أجساد هؤلاء بالمتفجرات وتتفحم لحومهم تحت ذريعة الدفاع عن دين الله ؟ .

إن من يقتلون اليوم في شوارع ومدن ليبيا وسوريا واليمن والعراق ومصر وغيرها من بلاد المسلمين ليسوا يهودا أو نصارى ، بل هم مسلمون أصحاب القبلة الواحدة والكتاب الواحد ، يقتلون بعضهم بعضا ، فيما اليهود والنصارى آمنين في بيوتهم وبلدانهم .

ورد عن النبي الأكرم قوله ” إن إختلاف أمتي رحمة ” ورغم أن الكثير من الفقهاء والعلماء كذبوا هذا الحديث المنسوب الى النبي ، ولكن حتى لوصح الحديث فإنه ينص بالإختلاف وليس بالخلاف ، فما نراه منذ ألف سنة أو يزيد ، هو خلاف حاد بين المسلمين أدى عبر عصور التاريخ الى إراقة دمائهم دون وجه حق ، فالإسلام أصبح دين العنف والقتل والهمجية ، بدل أن يكون دين السماحة والرحمة بالناس .. فالصراع المذهبي هو أشر الفتن الذي عانى منها المسلمون منذ بروز الفرق والطوائف في العصور الاولى ، وراح ضحيته عشرات الالاف من المؤمنين الذين يصلون لقبلة واحدة .

إن الله أمر بشهادة شاهدين في جريمة القتل ، لكنه فرض أربعة شهداء في جريمة الزنا ، والغرض من هذا الشرع هو الستر على المسلمين ، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بالستر مسلم فرد جنى ، فكيف يجيز قتل وإراقة دماء المسلمين جميعا ؟. ألم يحرم الله ورسوله دماء المسلمين بعضهم عن بعض الى يوم القيامة ، فلماذا يستهين هؤلاء الادعياء بدمائهم ولايعملون بما شرع الله ولايهتدون بهدي نبيهم الكريم ؟. إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أرجأ أمر المشركين والكفار وأهل الكتاب وعبدة النار من المجوس الى يوم القيامة ليفصل بينهم ، { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } فمن يملك إذن حق قتل المسلمين ؟.

نحن في هذا الزمن لانستطيع قتل المقصودون بالاية لأن هناك دولا أقوى منا سيحشدون الجيوش ويرسلون الطائرات لقتلنا ، فلماذا ينصب البعض من نفسه وكيلا عن الله ويعلن الحرب ضدهم ؟. إذا كنا عاجزين عن قتال هؤلاء الكفار والمشركين ، فكيف أجاز البعض لأنفسهم أن يأخذوا أبرياء المسلمين بجريرة زعمهم أنهم يدافعون عن حق الله ؟ وهل الله القادر المقتدر عاجز حاشاه عن أن يأخذ حقه حتى يأتي هؤلاء الأدعياء لينصبوا أنفسهم  وكلاء ونوابا عنه ؟ إن هذا هو كفر بقدرة الله وهو عز من قائل” وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى”. فالولاية لله الذي ترك أمر الظالمين الى أجل معلوم ، فكيف يدعي أحد من المسلمين أن له الولاية على الناس وأنه وكيل عن الله ، حتى النبي الأكرم لم يدع ذلك بنص قوله تعالى ” قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ان انا الا نذير وبشير لقوم يؤمنون .

لقد وعدنا الله بكتابه الكريم بأن لايعذبنا بعد أن أرسل إلينا رسولا “من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا “. لقد جائنا الرسول وآمنا به وبما نزل إلينا،وبقي أن نهتدي بهدى الله وأن لانضل أنفسنا ، وأن لانؤاخذ الناس بما لهم ولنا، فحسابهم على الله وإنما نحن نهتدي لأنفسنا ” ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا “.

إن القرآن نزل على نبينا ليبين الله لنا آياته وما شرعه لنا ” اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ “. والقرآن كتاب كامل ” لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه “، ولايجوز أن نلوي أعناق بعض آياته بما تستهوي أنفسناِ ” أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ “. فإن كانت هناك آيات تدعو الى الجهاد في سبيل الله وقتال المشركين ، فإن فيه أيضا آيات تدعو الى الحكمة والموعظة الحسنة ، فالدين ليس قتالا وحربا وهمجية فقط ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ “.

لم ينتشر الإسلام في شرقي آسيا بالسيف والحرب ، بل إنتشر وعم هناك بالحكمة والموعظة الحسنة ، واليوم يفوق أعداد المسلمين هناك عددهم في بلاد العرب وهم أهل الرسالة الذي نزل القرآن بلغتهم ، والملفت أنه لم يخرج من بينهم منظمات وقوى إسلامية متطرفة تقتل وتفجر،بل أخذوا السماحة والرفق كما تلقوها من أجدادهم فتقدمت بلدانهم وتنافسوا بالتقدم والرقي مع بلدان المشركين حتى تفوقوا على بلاد كثيرة ، فلماذا نجد عندنا من يسعى الى نشر دين الرحمة والسماحة بالمتفجرات والسيارات المفخخة وإستخدام أفتك الأسلحة والغازات القاتلة ؟ .

لقد إحتكم علي ومعاوية الى كتاب واحد في إدعائهم الحق بالخلافة ، وهناك كثير من الخلفاء الذين إدعوا الملك حقا إلهيا فنصبوا أنفسهم خليفة الله على الأرض رغم ما كان لبعض منهم من فجور وفسوق، ولكن ماذا آل إليه أمر المسلمين في كل تلك الصراعات الدموية التي أبشعت تاريخنا ومازالت تبشع الإسلام عند الآخرين . لم تتوحد صفوف المسلمين أصحاب القبلة الواحدة ، ولم تتوقف سيل الدماء الجارية منهم بسبب السلطان والملك ، أصبحت مجتمعاتهم في ذيل المجتمعات المتحضرة ، جاع المسلمون وتشردوا حتى لجأ الكثيرون منهم الى بلاد الكفر والإلحاد ليطعموا هناك ، عطشوا حتى لم يجدوا ماءا صافيا يشربونه ، تخلفوا حتى نال منهم المرض وشاعت الأمية بينهم ، صرفوا مليارلات الدولارات على شراء الأسلحة ليقتلوا بعضهم بعضا ، ولم يصرفوها لتعبيد الطريق أو بناء مساكن لائقة بأهلهم ، ضاقت الأرض بما رحبت على أبنائهم فلاذوا ببلاد الغرب ينشدون الأمن والأمان هاربين من واقعهم المأساوي البغيض !!.

إن الكثيرين ممن إدعوا الولاية عن الله كانوا يرون أنفسهم على حق ، وأنهم الأحق بإمارة المسلمين حتى نالوا بعضهم من بعض وأورثونا قتالهم وخلافاتهم ، ونسوا بأن الله أقدر على إقرار الحق وهو الحكم العدل الذي ضرب مثلا ما ببعوضة ، فهل أعجز حاشاه أن يأمر نبيه بتعيين الوصي بعده ؟!. هل خاف معاوية ربه وهو كاتب الوحي ومن صحابة الرسول حينما فرق شمل المسلمين وأسس دولة الملك ونصب إبنه السكير العربيد خليفة وإماما للمسلمين وأميرا للمؤمنين حتى آل الأمر بسبب ذلك الى ما نراه اليوم من صراع دموي بين أدعياء حق الله وأدعياء الملك والسلطان ؟!.

إن كل ما أوردناه في هذا الجزء من مقالنا هو سعي مخلص من أجل تبيان الحق ودفع المسلمين الى الإلتزام بكتاب الله ، والسمو على الخلافات العبثية التي لم تجد المسلمين نفعا طوال ألف سنة أو يزيد بل فرقتهم شيعا متناحرين يقتلون بعضهم بعضا، ولقد آن الأوان لكي يتوقف هذا النزيف الدموي من جسد الأمة وأن يعود الإسلام الى ذلك الزمن الذي كان يقود الأمة فيه نبي جاءه رجل يكلمه فأرتعد ، فقال له رسول السلام والمحبة : « هون عليك ، فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد » .