شيرزاد شيخاني : جحيم الصحفيين في كردستان .

سمبولی تۆڕە کۆمەڵایەتیەکان کلیک بکەو، ئەم بابەتە بنێرە بۆ بەشی خۆت یان هاوڕێکانت

الأساس في تشكيل مؤسسات الأمن والمخابرات في الدول الديمقراطية هو الحفاظ على أمن المواطن وحماية الدولة من المؤامرات الخارجية . ويعد جهاز المخابرات من أهم أجهزة الدولة الحساسة التي تتعرض في الدول الرشيدة الى المراقبة الدائمة حتى لاينحرف عن مساره وواجباته خصوصا وأنه يملك الكثير من الصلاحيات لتسهيل أدائه واجباته ولذلك فإن الدول المعتبرة تكثف رقابتها لكي لاتستخدم تلك الصلاحيات في أعمال شريرة . هذه في الدول المحترمة ، أما في الدول الدكتاتورية فإن هذا الجهاز يعد الإداة القمعية الفعالة بيد النخبة الحاكمة وتنحصر مهمته في حماية النظام بدل الشعب ، وتنصرف جهوده نحو القمع الداخلي بدلا عن حماية الأمن الداخلي ، وهذا معروف على مستوى العديد من أنظمة الحكم بالشرق الأوسط وفي مقدمتها نظام البعث الذي حكم العراق لأكثر من خمس وثلاثين سنة عن طريق المخابرات وأجهزة الأمن .

ومن الضروري الإشارة الى أنه غالبا ما تكون أجهزة المخابرات في الدول الدكتاتورية تابعة للحزب وليست للدولة ، وتكرس مهمتها لحماية نظام الحزب من المعارضة ومن أعدائه في الداخل وهذا ماجرى في العراق حين شكل حزب البعث جهاز ” حنين ” بين أعوام 1964-1966 وأناط مسؤوليته بصدام حسين . وكان لهذا الجهاز الدور الكبير في القضاء على أعداء الحزب ، سيما بعد أن تحول خلال سنوات حكم البعث إثر إنقلاب 17 تموز عام 1968 الى جهاز أمني سمي بـ ” الشعبة الثانية ” وغيره صدام حسين بعد إنقلابه على رئيس الجمهورية الأسبق أحمد حسن البكر الى ” جهاز الأمن الخاص ” الذي عاث فسادا في العراق وأصبح سيفا بيد صدام لقتل معارضيه في الداخل والخارج .

ليست مصادفة أن يتأسس جهاز ” الباراستن ” المخابراتي التابع لحزب بارزاني في فترة مقاربة لتأسيس جهاز حنين ، فالباراستن تأسس أيضا عام 1966 وكان جهازا مخابراتيا خاصا بحزب بارزاني ومازال كذلك لحد اليوم . وبنفس فكرة تأسيس جهاز البعث المخابراتي ، قام الباراستن بنفس الدور في مطادردة وتصفية أعداء حزب بارزاني وحمايته من أعدائه في الداخل ، حتى أنه وفقا لروايات الدكتور محمود عثمان الذي أصدر كتيبا عام 1977 لتقييم الثورة الكردية التي قادها الملا مصطفى البارزاني والد مسعود بارزاني ، فإن هذا الجهاز كان له دورا أيضا في تنصيب أعضاء قيادة الحزب في تلك الفترة .

لقد كان هذا الجهاز كما أجهزة المخابرات البعثية يثير الرعب في نفوس معارضي حزب بارزاني ، فقد قام بالكثير من أنشطة القتل والتصفية خلال فترات متفاوتة ، ولكن دوره قد تعاظم بشكل لافت بعد عودة هذا الحزب الى حكم إقليم كردستان عقب إنتفاضة آذار عام 1991 ، وقد برز بشكل أكبر بعد تحول هذا الحزب في السنوات الأخيرة الى النهج الدكتاتوري ، وهناك إتهامات عديدة بتورطه في العديد من عمليات القتل وإغتيال الصحفيين والسياسيين بإقليم كردستان ، منها قتل السياسي والصحفي الدكتور عبدالستار طاهر شريف والصحفيين الشباب سوران مامة حمة في كركوك و سردشت عثمان في أربيل و ودات حسين في مدينة دهوك ، وجرت كل هذه التصفيات الجسدية بوضح النهار بهدف تخويف الآخرين ، وكانت ردا على قيام هؤلاء بالكتابة والنشر ضد العائلة البارزانية والحزب ، هذا ناهيك عن مطاردة وسجن عدد آخر من الكتاب والصحفيين والمعارضين لحزب بارزاني مثل الدكتور الجامعي كمال سيد قادر وإصدار الحكم بسجنه لثلاثين سنة ، وحجز الصحفي كارزان كريم لأكثر من سنتين في سجون الجهاز ، وكذلك سجن سيد أكرم مدير جمرك إبراهيم الخليل لكشفه الإيرادات الجمركية ، بالإضافة الى المئات الآخرين الذين مازالت مصائر بعضهم مجهولة لحد اليوم وتطالب أسرهم بالكشف عنهم دون جدوى .

لقد تحول هذا الجهاز المخابراتي الى أداة قمعية مرعبة ، حتى أنه أصبح بمثابة دولة داخل الدولة خاصة وأنه يدار حاليا من قبل نجل مسعود بارزاني وتكرس له ميزانية ضخمة من موارد الحكومة تحت مسمى مجلس أمن الإقليم ، وأصبح يتدخل في جميع شؤون المواطن اليومية مثلما كان يفعل نظام صدام ، بحيث أنه لايمكن لأي مواطن بمناطق نفوذ حزب بارزاني أن يؤجر أو يستأجر بيتا من دون موافقة هذا الجهاز الأمني، ولاحتى نقل أثاث بيته من مدينة الى أخرى من دون موافقة مكتوبة من الجهاز.؟

الخوف من ممارسات هذا الجهاز أصبح يؤثر على الحريات الأساسية التي أقرتها قوانين البرلمان الكردي طوال السنوات الماضية ، وأصبح هذا الجهاز سيفا مسلطا على رقاب النخبة المثقفة في حال إتخاذهم لأي موقف معارض من سلطة بارزاني ، فالكاتب والصحفي يجلس اليوم بكردستان في ظل حكم العائلة البارزانية على قنبلة موقوتة لايعرف متى ستنفجر به ، فبنفس الأساليب التي إتبعها جهاز أمن صدام يمارس هذا الجهاز جرائمه ضد المثقفين ، فأصبحنا نحن الصحفيين نخاف على أنفسنا حين ننزل للأسواق أو نمارس حياتنا العادية ،  فلا نأمن أن يدس لنا هذا الجهاز سم الثاليوم بطعامنا غفلة ، أو أن يأتينا زوار الفجر يوما ، أو تطلق علينا رصاصة من وراء الأشجار ، أو حتى أن تقف سيارة تابعة للجهاز بمحاذاتنا في الشارع لينزل منها أربعة ملثمين ويقتادوننا الى مصير مجهول ، أو أن تلجأ الى عملية دهس متعمدة ثم تسجل قضاءا وقدرا ، فمثل هذه الجرائم كثيرا ما نفذها جهاز أمن صدام ضد معارضيه ، ويبدو أن ذلك الإرث قد تحول الى جهاز الباراستن الحزبي التابع لحزب مسعود بارزاني .

لقد كان العراق يصنف في السنوات السابقة كأحد الأماكن الأكثر خطرا بالنسبة للصحفيين ، ولكن الجحيم الذي أعده لنا جهاز الباراستن في كردستان أصبح أكثر عذابا من بقية مناطق العراق الخطرة ، ولذلك يمكن القول بأن إقليم كردستان وفي ظل حكم حزب العائلة البارزانية  يسير نحو الدكتاتورية المطلقة والى إعتماد إرهاب الدولة في ملاحقة خصومه السياسيين ، ولايبقى والحال هكذا إلا أن ننتظر إعلان موت الديمقراطية الوليدة التي ضحى لأجلها الشعب الكردي المظلوم بمئات الألوف من أبنائه وأريقت لأجله أنهارا من الدماء ، فكما عانينا خلال خمس وثلاثين سنة من الحكم الدكتاتوري الصدامي ، اصبح لزاما علينا أن نعيش خمس وثلاثين سنة أخرى في ظل دكتاتورية بارزاني ، وبذلك لم تعد هناك بقية في العمر ، فهل هذا هو قدرنا؟.لا أدري، ولكن يبدو هو كذلك .