شيرزاد شيخاني: في الشأن الكردستاني مرة أخرى. ( 1 – 3 ) – 1.

سمبولی تۆڕە کۆمەڵایەتیەکان کلیک بکەو، ئەم بابەتە بنێرە بۆ بەشی خۆت یان هاوڕێکانت

(1) مرجعية مسعود البارزاني
يقول الامام الشافعي في حديثه عن الامام الأعظم أبو حنيفة النعمان ” الناس في الفقه عيال على أبو حنيفة “. وقال قوله هذا من منطلق غزارة علم الامام الأعظم ومؤسس الفقه ، وتقديرا لدوره الكبير في خدمة الفقه الاسلامي ، والرجل يستحق طبعا كل الاجلال والاحترام.
وأنا أقول ” في السياسة الكردية ، كل القيادات عيال على مسعود البارزاني “.
قد يستغرب الكثيرون من قولي هذا وأنا كنت ومازلت من أشد المعارضين لسياسات البارزاني منذ أكثر من عشرين عاما ، وخضت الصعاب ولاقيت المشقات بسبب مواقفي هذه ، ليس أقلها تغربي عن مدينتي بسبب تهديدات الجهاز الأمني لحزب البارزاني . ولكن دعونا نناقش هذا الأمر بمنتهى الهدوء والتعقل .
لاشك أن سياسات البارزاني وطوال فترة حكمه في كردستان والتي تقرب من ثلاثين عاما هو امتداد لحكم والده الراحل الملا مصطفى البارزاني منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي الى منتصف سبعينياتها . وكانت سياسات البارزاني الابن على عكس الوالد الذي كان يحيط نفسه بعدد كبير من المستشارين العقلاء والقيادات السياسية المحنكة ، تتسم عموما بالتهور وعدم التوازن، وتفتقد الى الحكمة والتعقل ، ابتداءا من تعاون حزبه مع نظام الخميني أثناء الحرب العراقية الايرانية ، ومشاركته في ضرب قوات بيشمركة الأحزاب الكردستانية في الجزء الايراني ، مرورا بموقفه من الانتفاضة الكردستانية عام 1991 وشكوكه في جدواها في ذلك الوقت ، ثم دوره البارز في إندلاع القتال الداخلي بكردستان العراق بين أعوام 1994-1998 . ثم عدم تردده للحظة واحدة بإستقدام قوات الجيش العراقي لاحتلال أربيل وطرد قوات الاتحاد الوطني الكردستاني منها ، وصولا الى محاربة قوات الحماية الشعبية في الجانب السوري وأغلاق الحدود المشتركة معها ، ثم التحالف المشين مع النظام التركي وتسليم مقدرات كردستان اليها من حيث الأرض والثروات النفطية ، ثم خوضه لمغامرة فاشلة لاعلان الاستفتاء وانفصال كردستان عن العراق ، وأخيرا صراعه المرير وغير المبرر مع حليفه الاستراتيجي الاتحاد الوطني حول منصب رئيس جمهورية العراق .
هذه هي الملامح الأساسية لسياسات البارزاني وحزبه تجاه الشأن الكردي في العراق .
ومع أن مجمل هذه المواقف والسياسات تندرج في إطار ما يقرب من ” خيانة ” على الأقل من وجهة النظر القومية . ولكن مع ذلك فإنها كانت سياسات ناجحة على الأقل حين نقيم نتائج تلك السياسات . فعلى الرغم مما يصفه البعض من معارضي البارزاني وحزبه بـالخيانة والخروج عن الاجماع الكردي ، لكن مع ذلك بقي مسعود البارزاني الى يومنا هذا هو المرجع الأول والأخير بالنسبة للشعب الكردي .ومرد ذلك بنظري هو ضعف الأحزاب الكردستانية وقادتها السياسيين ، وتخاذل بعضهم واستسلامهم لارادة البارزاني وحزبه ، سواء بالترهيب أحيانا ، أو الترغيب غالبا.
فعلى الرغم من أن الاتحاد الوطني الكردستاني كان يسيطر على ثلثي أراضي إقليم كردستان ، وكانت أكبر محافظتين وهما أربيل والسليمانية تحت سلطته قبل أن يلجأ مسعود البارزاني الى صدام حسين وقوات حرسه الجمهوري لاخراج أربيل من قبضته، لكن مع ذلك ما زال الاتحاد الوطني له نفوذ واسع في هذه المحافظة. وكان للاتحاد الوطني حكومة محلية في محافظة السليمانية منفصلة عن حكومة أربيل ، ولكن بعد توقيع إتفاقية واشنطن بسبعة أعوام سلم تلك الحكومة الى يد حزب البارزاني طواعية وتخلى عن الادارة الذاتية لمحافظة السليمانية بذريعة تشكيل حكومة موحدة عام 2005 والتي لم ينل منها سوى بضعة وزراء ومنصب غير فاعل لنائب رئيس الحكومة التي ترأسها نيجيرفان البارزاني لثلاث دورات متتالية دون أن ينافسه أحد .
وإستغل مسعود البارزاني فرصة وجوده في رئاسة الإقليم و رئاسة ابن أخيه للحكومة لتقوية نفوذ حزبه في عموم المناطق التي كانت تحت أيدي الاتحاد الوطني بما فيها أربيل عاصمة الإقليم . ثم حصر جميع السلطات الأمنية والادارية والاقتصادية ( النفط ) ، وكذلك السلطة التشريعية بإعتباره الكتلة الأكبر بيد هذا الحزب ، ثم تهميش دور بقية الأحزاب بما فيها الاتحاد الوطني في صنع القرار السياسي بكردستان .
لقد كان للرئيس الراحل والأمين العام الاتحاد الوطني جلال طالباني دورا أيضا في تعاظم نفوذ البارزاني وحزبه على مستوى الإقليم . فقد كان رحمه الله يقدم تنازلات تلو أخرى لخصمه مسعود البارزاني وخصوصا في السنوات الأخيرة تحت ذريعة درء القتال الداخلي والحفاظ على الكيان الدستوري لاقليم كردستان . وكان الراحل محقا في ذلك على الرغم من إنتقادات الكثيرين من أعضاء قيادة حزبه لسياساته المهادنة مع البارزاني وحزبه ، لكن طالباني بخبرته الطويلة في التعامل مع العائلة البارزانية ، كان يدرك تماما مخاطر المصادمة مع هذا الحزب ، وكان يخشى دائما من إقدام مسعود البارزاني على تجديد القتال الداخلي مما سيهدد بضياع مكاسب الشعب الكردي المتحققة في الدستور العراقي الجديد بعد سقوط النظام السابق .
لقد كانت مسألة الاستفتاء الذي أقدم عليه مسعود البارزاني منفردا وصم اذانه عن الاستماع لنصائح الدول الكبرى والنداءات الداخلية ، أحد أكبر الضربات التي وجهت للعملية السياسية في العراق ، أدت في المحصلة الى انهيار العلاقة بين الإقليم والمركز ، وكانت من نتائجه الوخيمة على كردستان هو خروج المناطق المتنازع عليها من تحت سيطرة الادارة الكردية .
ورغم أن الاستفتاء كان خرقا كبيرا للدستور العراقي وجريمة قانونية يفترض محاسبة مرتكبها ، لكننا وجدنا ترحيبا حارا من قيادات عراقية تجاه البارزاني عند زيارته الى بغداد مؤخرا ، وأن تلك القيادة فتحت أحضانها مرة أخرى للبارزاني وكأن شيئا لم يكن ، بل ووصفت تلك القيادات العراقية مسعود البارزاني بأنه هو المرجع الأساس للشعب الكردي ؟!.
حين لجأ حزب البارزاني في الانتخابين الأخيرين لمجلس النواب العراقي والبرلمان الكردستاني الى تزويرات واسعة النطاق ، لم تشفع كل الانتقادات والتهديدات التي مارستها الأحزاب الكردستانية بإعادة اجراء الانتخابات ، فتكرست تلك النتائج المزيفة على أرض الواقع ، وأصبح حزب بارزاني في المرتبة الأولى على مستوى كردستان والعراق ، وليذهب قادة الأحزاب الكردستانية يشربون ماء البحر .
من أهم أسباب قوة البارزاني وحزبه ، هو ضعف القيادات السياسية للأحزاب الكردستانية الاخرى ، وتخاذلهم أمام سطوة ونفوذ حزب البارزاني ، وهذا ما سيكون مضمون المقال القادم ، ان شاء الله .